مجمع البحوث الاسلامية

285

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ السّجدة : 7 . ثانيها : الإتيان بالحسن كالإظراف والإغراب للإتيان بالظّريف والغريب ، قال تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها الأنعام : 160 . ثالثها : يقال : فلان لا يحسن الكتابة ولا يحسن الفاتحة ، أي لا يعلمهما . والظّاهر أنّ الأصل في الإحسان الوجهان الأوّلان ، والثّالث مأخوذ منهما ، وهذا لا يفهم إلّا بقرينة الاستعمال ممّا يغلب على الظّنّ إرادة العلم . إذا علمت هذا فنقول : يمكن حمل ( الاحسان ) في الموضعين على معنى متّحد من المعنيين ، ويمكن حمله فيهما على معنيين مختلفين : أمّا الأوّل فنقول : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ أي هل جزاء من أتى بالفعل الحسن إلّا أن يؤتى في مقابلته بفعل حسن ، لكن الفعل الحسن من العبد ليس كلّ ما يستحسنه هو ، بل الحسن هو ما استحسنه اللّه منه . فإنّ الفاسق ربّما يكون الفسق في نظره حسنا وليس بحسن بل الحسن ما طلبه اللّه منه ، كذلك الحسن من اللّه هو كلّ ما يأتي به ممّا يطلبه العبد كما أتى العبد بما يطلبه اللّه تعالى منه . وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ الزّخرف : 71 ، وقوله تعالى : وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ الأنبياء : 102 ، وقال تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى يونس : 26 ، أي ما هو حسن عندهم . وأمّا الثّاني فنقول : هل جزاء من أثبت الحسن في عمله في الدّنيا إلّا أن يثبت اللّه الحسن فيه وفي أحواله في الدّارين . وبالعكس هل جزاء من أثبت الحسن فينا وفي صورنا وأحوالنا إلّا أن نثبت الحسن فيه أيضا ، لكن إثبات الحسن في اللّه تعالى محال ، فإثبات الحسن أيضا في أنفسنا وأفعالنا ، فنحسن أنفسنا بعبادة حضرة اللّه تعالى ، وأفعالنا بالتّوجّه إليه ، وأحوال باطننا بمعرفته تعالى ، وإلى هذا رجعت الإشارة ، وورد في الأخبار من حسن وجوه المؤمنين وقبح وجوه الكافرين . وأمّا الوجه الثّالث : وهو الحمل على المعنيين ، فهو أن نقول : على جزاء من أتى بالفعل الحسن إلّا أن يثبت اللّه فيه الحسن ، وفي جميع أحواله ، فيجعل وجهه حسنا وحاله حسنا ، ثمّ فيه لطائف : الأولى : هذه إشارة إلى رفع التّكليف عن العوامّ في الآخرة وتوجيه التّكليف على الخواصّ فيها : أمّا الأوّل : فلأنّه تعالى لمّا قال : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ والمؤمن لا شكّ في أنّه يثاب بالجنّة ، فيكون له من اللّه الإحسان جزاء له . ومن جازى عبدا على عمله لا يأمره بشكره ، ولأنّ التّكليف لو بقي في الآخرة ، فلو ترك العبد القيام بالتّكليف لاستحقّ العقاب ، والعقاب ترك الإحسان ، لأنّ العبد لمّا عبد اللّه في الدّنيا ما دام وبقي ، يليق بكرمه تعالى أن يحسن إليه في الآخرة ما دام وبقي ، فلا عقاب على تركه بلا تكليف . وأمّا الثّاني : فنقول : خاصّة اللّه تعالى عبدنا اللّه تعالى في الدّنيا لنعم قد سبقت له علينا ، فهذا الّذي أعطانا اللّه تعالى ابتداء نعمة وإحسان جديد ، فله علينا شكره ، فيقولون : الحمد للّه ، ويذكرون اللّه ويثنون عليه ، فيكون نفس الإحسان من اللّه تعالى في حقّهم سببا لقيامهم